وصف المدون

.bigmag-post-author { display: none; }
صحيفة متجددة

الشرق العربي

آخر المقالات
يتصفح هذا الموضوع الآن زوار من:

 


سوء الظن


أسات الظن من وله

ولم تحسن به نطقا


اتى البردان تدفئه

فبرد الشوق ما ابقى


أبعد الأنس تخذله

وانت الصاحب الاتقى


تمهل لا تكن عجلا

على مضنى إذا استسقى


توقف لا تلاطفه

ولا تدنيه او ترقى


غدا يبدي حقائقه

لعل السعد للأشقى


فظن السوء احسنه

امات الغادة العنقا


د. مكي الشامي

يقول الدكتور مكي الشامي في مطلع قصيدته:

أسأتَ الظنَّ من وَلَهٍ .. ولم تُحسن به نُطقا -  أتى البردانَ تُدفئه .. فبردُ الشوقِ ما أبقى

1. الاندفاع العاطفي وزلل اللسان

يربط الشاعر في استهلاله بين "الوله" وسوء الظن، وفي هذا لفتة نفسية عميقة؛ فأحياناً يدفعنا الإفراط في العاطفة والخوف على من نحب إلى تأويل تصرفاتهم بأسوأ الاحتمالات. العجلة في الحكم "عدم إحسان النطق" تحوّل لحظة الاحتياج (البردان الذي يطلب الدفء) إلى صقيع موحش، فبدلاً من أن يجد الغريب أو المحب ملاذه، يجد حكماً مسبقاً يجمد مشاعره.

2. خيانة ميثاق "الأنس"

ينتقل الشاعر للتساؤل باستنكار:

أبعدَ الأنسِ تخذلهُ .. وأنت الصاحب الأتقى؟ إن أقسى أنواع سوء الظن هو ذلك الذي يأتي من "الصاحب الأتقى"، أي الشخص الذي ائتمنّاه على خبايا أرواحنا. هنا تكمن الفجيعة؛ فسوء الظن ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو خذلان للميثاق الغليظ الذي يربط القلوب. إن إطلاق الأحكام المتسرعة على "المضنى" (المتعب) الذي جاء طالباً للارتواء "استسقى" يعكس قسوة لا تليق بروح الصداقة.

3. الحقيقة والزمن: غداً تبدو الحقائق

يدعو الشاعر إلى التمهل والتوقف عن الملاطفة المزيفة إذا كان القلب ممتلئاً بالشك:

غداً يُبدي حقائقه .. لعل السعد للأشقى الزمن هو الكفيل دائماً بغربلة النوايا. لكن الكارثة تكمن في أن الحقيقة قد تظهر بعد فوات الأوان، وبعد أن تكون سهام الظن قد أصابت مقتلاً.

4. قتامة الخاتمة: حين يقتل الظن "العنقاء"

يختم الدكتور مكي ببيت يقطر مرارة:

فظنُّ السوء أحسنُه .. أمات الغادة العنقا استخدام رمز "العنقاء" (الطائر الأسطوري الذي يرمز للندرة والجمال والبعث) يشير إلى أن سوء الظن لا يقتل الأشياء العادية فحسب، بل يغتال أسمى المشاعر وأجمل العلاقات التي لا تعوض. حتى "أحسن" أنواع سوء الظن (الذي قد يبرره البعض كحذر أو حيطة) نتيجته في النهاية هي الموت المعنوي للجمال والطهر.

خلاصة القول

سوء الظن هو عدسة مشوهة نرى من خلالها نقاء الآخرين كدرًا. وكما جسدت الأبيات، فإنه يبدأ بـ "عجلة" وينتهي بـ "قطيعة". إن إحسان الظن ليس سذاجة، بل هو استثمار في استمرارية الحياة، وضمانة لأن يبقى "الأنس" سقفاً يحمينا من برودة الوحدة وشقاء الشك.

الدرس المستفاد: التمهل في الحكم هو عبادة، وحفظ كرامة "المضنى" الذي لجأ إلينا هو ذروة التقوى الإنسانية. وكما قيل قديماً: "لأن تخطئ في حسن الظن، خير لك من أن تصيب في سوء الظن".


بقلم : احمد يوسف 

إعجاب ... 👍
عدم إعجاب 0 👎

إعلان أول الموضوع

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع